ابن عطية الأندلسي
160
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
السبت وهو : القطع ، لأن الأشياء فيه سبتت وتمت خلقتها . وقصة اعتدائهم فيه ، أن اللّه عزّ وجل أمر موسى عليه السلام بيوم الجمعة ، وعرفه فضله ، كما أمر به سائر الأنبياء ، فذكر موسى عليه السلام ذلك لبني إسرائيل عن اللّه تعالى وأمرهم بالتشرع فيه ، فأبوا وتعدوه إلى يوم السبت ، فأوحى اللّه إلى موسى أن دعهم وما اختاروا من ذلك ، وامتحنهم فيه بأن أمرهم بترك العمل وحرم عليهم صيد الحيتان ، وشدد عليهم المحنة بأن كانت الحيتان تأتي يوم السبت حتى تخرج إلى الأفنية . قاله الحسن بن أبي الحسن . وقيل حتى تخرج خراطيمها من الماء ، وذلك إما بالإلهام من اللّه تعالى ، أو بأمر لا يعلل ، وإما بأن فهمها معنى الأمنة التي في اليوم مع تكراره حتى فهمت ذلك ، ألا ترى أن اللّه تعالى قد ألهم الدواب معنى الخوف الذي في يوم الجمعة من أمر القيامة ، يقضي بذلك قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة فرقا من الساعة » ، وحمام مكة قد فهم الأمنة ، إما أنها متصلة بقرب فهمها . وكان أمر بني إسرائيل بأيلة على البحر ، فإذا ذهب السبت ذهبت الحيتان فلم تظهر إلى السبت الآخر ، فبقوا على ذلك زمانا حتى اشتهوا الحوت ، فعمد رجل يوم السبت فربط حوتا بخزمة ، وضرب له وتدا بالساحل ، فلما ذهب السبت جاء وأخذه ، فسمع قوم بفعله فصنعوا مثل ما صنع ، وقيل بل حفر رجل في غير السبت حفيرا يخرج إليه البحر ، فإذا كان يوم السبت خرج الحوت وحصل في الحفير ، فإذا جزر البحر ذهب الماء من طريق الحفير وبقي الحوت ، فجاء بعد السبت فأخذه ، ففعل قوم مثل فعله ، وكثر ذلك حتى صادوه يوم السبت علانية ، وباعوه في الأسواق ، فكان هذا من أعظم الاعتداء ، وكانت من بني إسرائيل فرقة نهت عن ذلك فنجت من العقوبة ، وكانت منهم فرقة لم تعص ولم تنه ، فقيل نجت مع الناهين ، وقيل هلكت مع العاصين . و كُونُوا * لفظة أمر ، وهو أمر التكوين ، كقوله تعالى لكل شيء : كُنْ فَيَكُونُ * [ النحل : 40 ، مريم : 35 ، يس : 82 ، غافر : 68 ] ، ولم يؤمروا في المصير إلى حال المسخ بشيء يفعلونه ولا لهم فيه تكسب . و خاسِئِينَ * معناه مبعدين أذلاء صاغرين ، كما يقال للكلب وللمطرود اخسأ . تقول خسأته فخسأ ، وموضعه من الإعراب النصب على الحال أو على خبر بعد خبر . وروي في قصصهم أن اللّه تعالى مسخ العاصين قِرَدَةً * بالليل فأصبح الناجون إلى مساجدهم ومجتمعاتهم ، فلم يروا أحدا من الهالكين ، فقالوا إن للناس لشأنا ، ففتحوا عليهم الأبواب كما كانت مغلقة بالليل ، فوجدوهم قِرَدَةً * يعرفون الرجل والمرأة ، وقيل : إن الناجين كانوا قد قسموا بينهم وبين العاصين القرية بجدار ، تبريا منهم ، فأصبحوا ولم تفتح مدينة الهالكين ، فتسوروا عليهم الجدار فإذا هم قردة ، يثب بعضهم على بعض . وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وثبت عنه أن الممسوخ لا ينسل ولا يأكل ولا يشرب ولا يعيش أكثر من ثلاثة أيام ؛ ووقع في كتاب مسلم عنه عليه السلام أن أمة من الأمم فقدت ، وأراها الفأر ، وظاهر